غزة "المحاصرة" تصدّر كمامات طبية إلى الخارج (تقرير)

يمرّ السيد حسن شحادة، في جولةٍ سريعة بين ماكينات الخياطة، يلقي خلالها كلمات تحفيز وتشجيع للعاملين داخل مصنعه الواقع شمالي مدينة غزة، الذي اختص بإنتاج الكمامات والألبسة الطبية.

 

ومنذ ظهور فيروس كورونا في البلاد وتفشي المرض في مارس/آذار الماضي، عمل المصنع على تصدير منتجاته من غزة إلى كل من إسرائيل والضفة الغربية.

 

ينادي شحادة بصوتٍ مرتفع، حاثًا العاملين على "شدّ الهمّة" والانتهاء من إنتاج الكمية التي يعملون عليها، بغية الإسراع في تصديرها بأقرب وقت ممكن.

 

ثمّ يرتشف قليلاً من القهوة، التي صارت أنيسة أيامه ومعينته على الإرهاق الناجم عن عدم تمكنه من النوم بضع ساعات يومياً، بسبب انشغاله في العمل داخل المصنع.

 

مواصفات مطابقة:

 

يقول "شحادة" في حديث لمراسل الأناضول، إنّ المصنع يعمل حالياً بطاقة إنتاجية عالية مضاعفة عن السابق، وبوتيرة لم يعتادوا عليها منذ بدء الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2006.

 

هذا الأمر وفقاً لحديثه، ساهم في تعويضه جزئياً عن الخسائر التي تكبدوها خلال السنوات الماضية، والتي فاقت مئات آلاف الدولارات.

 

ويروي أنّهم يستوردون القماش الذي يستخدم في صنع الكمامات والألبسة الطبية من إسرائيل، لكنّهم يعانون حالياً من ندرة تواجده بسبب تزايد الطلب عليه عالمياً، وأنّهم صاروا لا يتمكنون من توفير ما يطلبه السوق المحلي.

 

ويضيف صاحب المصنع: "كلّ إنتاجنا حالياً، يتم توجيهه للتصدير الخارجي".

 

ويشغّل المصنع بالوقت الحالي نحو 200 عامل، تتنوع مهامهم بين فرز وقطع القماش، والخياطة، وطيّ الألبسة الطبية وتغليفها في الأكياس المعقمة المناسبة لها، ثم تجهيز البضائع لنقلها إلى المخازن ومنها إلى معبر "كرم أبو سالم" التجاري الذي يربط قطاع غزة بإسرائيل.

 

وعن مطابقة ما ينتجه المصنع للمواصفات الطبية العالمية، يضيف شحادة: "لو لم يكن إنتاجنا ممتاز ومطابقاً لشروط السلامة والجودة، ويلبي حاجة المؤسسات الصحية، لما لجأت إسرائيل، وشركات خاصة بالضفة الغربية للاستيراد منا، بهذه الكميات الهائلة، التي لا نستطيع أحياناً تلبيتها بالشكل الكامل المطلوب".

 

جدير بالذكر أن مجال صناعة الملابس والخياطة المحلي، كان من بين أفضل القطاعات الاقتصادية في غزة حتّى عام 2006 الذي فرضت فيه إسرائيل الحصار، حيث كان يعمل آنذاك حوالي 900 مصنعاً داخل القطاع، يشغلون أكثر من 35 ألف عامل.

 

لكنّ الحال اختلف، عقب الحصار، حيث أغلقت غالبية المصانع أبوابها، وسرّحت عمالها.

 

ولا يعمل حاليا، في القطاع سوى 150 مصنعاً (صغير) يعمل بها نحو 1500 عامل فقط، وفقاً لتقارير الغرفة التجارية في غزة.

 

"غزة تساند العالم":

 

ولا يوفر المصنع أجوراً عالية للعاملين فيه، لكنّ ما يقدمه يكفي لسد رمق عائلتهم، التي عانت كثيراً من عدم توفر المال في الفترات التي عاش فيها معيلوها دون مصادر دخل، وذلك بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج وقلة هامش الربح، وفقاً لما يقول شحادة.

 

وينوه إلى أنّ أهم ما يسعى إليه في الفترة القادمة، هو زيادة عدد العاملين لديه.

 

ويردف بحديثه: "إضافة للمصنع الرئيسي، دخل في العمل معنا، حالياً أكثر 15 ورشة خياطة، تنتشر في مختلف مناطق قطاع غزة".

 

وحول ذلك يقول: "لجأنا لهذا الأمر، لسببين هما: رفع الطاقة الإنتاجية لنكون قادرين على تلبية حاجة السوق، ولنوفر فرص عمل لمزيد من العمال، الذين تضرروا من الأزمة الحالية".

 

وعن العقبات التي تواجه عمل المصنع، يشير شحادة أنّ أهمها هو انقطاع التيار الكهربائي، وعدم توافر القماش لديهم بكميات كافية داخل القطاع.

 

ويصدّر المصنع الكمامات والألبسة الطبية، بواقع يومين في الأسبوع الواحد، عبر عدد من الشاحنات.

 

وينبّه شحادة، إلى أنّهم يطمحون في المستقبل القريب، ليكونوا قادرين على تصدير كميات أكبر لدول أوروبية وعربية، ليعززوا بذلك فكرة أنّ غزّة هي جزء من العالم، ولديها القدرة على مساعدة كثير من دوله، في تجاوز أزماتها وفقاً لما تتيحه إمكانياتها البسيطة، حسب قوله.

 

من جانبه، يقول العامل نزهي أبو حطب البالغ من العمر (45 عاماً)، أنّ الأزمة الحالية أنعشت عمل المصنع بشكلٍ كبير.

 

ويضيف لمراسل الأناضول: "أصبح لدي عمل أحصل من خلاله على المال، لشراء الاحتياجات اللازمة لأسرتي المكونة من ستة أفراد".

 

ويشير إلى أنه كان بالسابق، عاطل عن العمل، بسبب الحصار المفروض على قطاع غزة.

 

ويعاني قطاع غزة، من أوضاع معيشية قاسية، بفعل الحصار.

 

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (حكومي)، تبلغ نسبة البطالة في قطاع غزة (حسب بيان صدر في سبتمبر/أيلول 2019) 45 بالمئة.

 

لكنّ اللجنة الشعبية الفلسطينية لكسر الحصار عن قطاع غزة (غير حكومية) تقول إن النسبة الحقيقية للبطالة بغزة، تفوق 60 بالمئة.

 

وقالت اللجنة، في بيان أصدرته الأحد (12 إبريل/نيسان الجاري) إن جائحة فيروس كورونا، فاقمت الفقر والبطالة في القطاع.

 

وأضافت في بيان أصدرته "استمرار الانكماش الاقتصادي في قطاع غزة والضفة الغربية بسبب الاحتلال والحصار والإجراءات المرتبطة بمواجهة جائحة كورونا، يعني الوصول لمأساة كبيرة".

 

وتابع البيان "الوضع الاقتصادي يتدهور بشكل متسارع وغير مسبوق، وذلك بسبب إجراءات مواجهة كورونا، وأن الأزمة تزيد في قطاع غزة المنهك اقتصادياً أصلاً بسبب الحصار الإسرائيلي".

 

والأحد، حذرت الأمم المتحدة، من تداعيات كورونا على "بقاء واستمرارية السلطة الفلسطينية".

 

ودعت الدول المانحة والمجتمع الدولي إلى "تقديم دعم سخي ومساعدات تقنية، لمواجهة الأضرار الهائلة التي حلت بالاقتصاد الفلسطيني نتيجة تفشي الفيروس".

 

وأوضح المنسق الأممي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، أن "الصدمات السلبية للاقتصاد الفلسطيني، نتيجة الوباء، سيكون لها آثار عميقة على الرفاهية العامة، والعمالة، والتماسك الاجتماعي، والاستقرار المالي والمؤسسي".

 

والأسبوع الماضي، أعلنت الحكومة الفلسطينية عن موازنة طوارئ للعام الجاري بإجمالي نفقات 17.78 مليار شيكل (5 مليارات دولار)، بينما يبلغ العجز قبل التمويل 9 مليارات شيكل (2.54 مليارات دولار)، ستموله من البنوك ومصادر أخرى (لم تذكرها).

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص