( عاشوراء ) .. وتأجيج الأحقاد ..


يتّخذ الشيعة الرافضة من ( عاشوراء ) يوماً لنشر الفتنة وتأجيج الأحقاد على أهل السنة مستغلين قتل الحسين بن علي رضي الله عنه .. ولقد كان للأديب علي الطنطاوي رحمه الله مقالة في هذا الجانب بعنوان ( رأيت الموت في ذكرى استشهاد الحسين ) وقد كتبها إلا أن الصحف في ذلك الوقت رفضت نشرها لسبب غير معروف ( !! ).

وعن تلك المقالة يقول حفيده مجاهد ديرانية الذي اهتم بنشر سلسلة الذكريات : ( هذه الحلقة من الذكريات لم تُنشَر من قبل قط، فقد أحجمَت الجريدة عن نشرها فلم تظهر ضمن الحلقات الأسبوعية التي كانت تنشرها حينئذ، وردّتها إلى جدي فكتب عليها بخطه «للحفظ لتُنشَر يوماً»،

ففكرت وأنا أقرأ هذه العبارة : هل استبعدَها من «الذكريات» حين نُشرت في كتاب متعمّداً أم نسيها وسها عنها ؟ .. ثم غلّبت الاحتمال الثاني لأنه لو لم يُرِد نشرها لما كتبها أصلاً، ولم أجد مانعاً يمنع من نشرها فضممتها إلى هذه الطبعة من الذكريات في موضعها الذي كُتبت لتكون فيه ).

ولجمال تلك المقالة أسلوباً وأدباً .. ومناسبتها ليوم عاشوراء الذي نحن فيه أو قريبين منه .. رأيت أن أنشرها بتمامها في مقامي هذا عسى أن يستفيد منها المسلمون ويترحمون على كاتبها ..!!

عنوان المقال : رأيت الموت في ذكرى استشهاد الحسين ..!!

سمعت وأنا في بغداد مثلاً قديماً لعله أُطلق أيامَ فَقْد الأمن واضطراب أمر الناس، هو: «اكتم ذهبك وذهابك ومذهبك» .. عملت بهذا المثل. لم أكتم ذهبي لأنني ما كنت أملك ذهباً لأكتمه.

أما ذهابي فقد أمنت الطرق واطمأن الناس فلم تَعُد بي ولا بغيري حاجةٌ إلى أن نستَتِر بالسفر. أما المذهب فقد اتّبعت طريقاً هو أن لا أسأل طالباً من طلابي : أسنّي أنت أم شيعي؟ وما كانت لي حاجة أن أعرف، ولو عرفت ما كان لمعرفتي أثر في معاملة الطلاب لأنني كنت أعاملهم جميعاً على السواء.

وجاء يوم عاشوراء قبل الليلة التي حدثتكم عنها [ الليلة التي ثار فيها دجلة ]. وليوم عاشوراء شأن في العراق؛ إنه يوم حزن، يصير البلد كله مأتماً كأنما قُتِل الحسين رضي الله عنه بالأمس،

وكأن عمّال بني أمية (أو مَن شارك منهم في وِزر قتله) لا يزالون يحكمون العراق .. نسي الناس أنها قد تغيرت الدنيا، ودالت دول ووُلدت دول، وبُدِّلت الأرضُ غيرَ الأرض ولكن ما بُدِّلت هذه الأعمال.

ونحن المسلمين نحب كلنا رسولَ الله عليه الصلاة والسلام، ومن لا يحبه أكثرَ من نفسه لا يكمُل إسلامه، ونحب من كان يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن كان يحبه سبطاه الحسن والحسين.

فنحن نترضى عنهما ونصلي عليهما بعد صلاتنا على جدّهما، ونلعن من قتل سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتبرأ منه وممن أمره بذلك وممن أعانه عليه، ولكن لا نصنع ما لا يرضاه الرسول عليه الصلاة والسلام ولا نخالف عن أمره، ولا نتبع غير سبيله. وما رأينا بعضَ الناس يصنعونه في العراق يوم عاشوراء مما لا يرضاه الرسول الذي يجب علينا اتباعه.

أراد أنور أن يجول جولة في منطقة «الحلّة» يوم عاشوراء، ففعلنا، ورأينا آثار بابل والسدّة الهندية وجسر المثيب الذي كنتم تسمعون ناظم الغزالي يبكي أحبته الذين ثَيّبوه فيه فعذّبوه ومَرْمَروه، وسيأتي حديث ذلك.

وأخذنا معنا من شاء من الطلاب، فكانوا ثلاثة، منهم طالب عملاق إن وقفت إلى جانبه وصل رأسي ما فوق خصره بقليل، حتى إني كنت أسأله عن الضغط الجوي في الأفق العالي الذي يصل رأسه إليه ..!!

ولكنه كان - مع هذا الطول والعرض والارتفاع - طيب القلب رضيّ الخُلُق ساذجاً يصدّق كل ما يُلقى إليه، اسمه عبد الله عادي. وصدق من سماه؛ فهو عاديّ الخَلْق كأنه من بقايا قوم عاد الذين كانوا بالأحقاف (بالربع الخالي) الذي لم يكن على أيامهم خالياً بل كان حالياً بالنبات عامراً بالبنيان. وطالبان آخران، سني وشيعي.

واستشهاد الحسين مأساة لا أجد وصفاً لها أصدق من قولي إنها «فظيعة». ومرة أخرى أقول للتأكيد إنها فظيعة، ولكن الشعراء والأدباء على مدى هذه القرون الطويلة سخّروا قرائحهم وألسنتهم وأقلامهم للعمل على زيادة فظاعتها وعلى توضيح صورتها وعلى تعميق أثرها : جعلوا منها موضوعاً أدبياً لا ينضب معينه، فأغنوا بذلك الأدب ولكنهم أضاعوا الحقيقة .. هل أضرب لكم مثلاً كيف يضيع الأدب الحقيقة ..؟!!

في تلك الأيام التي أتكلم عنها كنا أنا وأنور نمشي إلى كل مكان، تارة وحدنا وتارة مع بعض الطلاب. ذهبنا إلى الجُعَيفر في جهة الكَرْخ وإلى الكَرّادة وإلى المطار، وذهبنا مرة نشاهد مباراة مع جند الإنكليز في سن الذبّان عند الحَبّانية، وكنا نذهب إلى الرُّستُميّة حيث كان يدرّس أخونا الأستاذ مظهر العظمة رحمه الله.

فذهبنا يوماً من الأعظمية إلى بغداد مشياً على الأقدام، ولكنا تركنا الطريق وسرنا بحذاء الشطّ بين البساتين حتى دخلنا منطقة البلاط (بلاط الملك غازي) ونحن لا نشعر. فماذا جرى لنا ؟ ماذا جرى لمّا أنذرَنا الجندي فما انتبهنا إلا وهو مقبل علينا، بندقيته موجَّهة إلينا وسِنانها في رأسها في صدورنا ؟

ما تفصيل ما جرى؟ صدقوني إن قلت لكم إنني لا أدري! هل نسيت؟ لا، ولكنني كنت أروي القصة فأزيد فيها، أملّحها وأفَلْفِلها وأزيّنها بالصور الأدبية، فيأخذ أنور ما رويت فيزيد عليه ويفلفله ويملّحه، ثم أعود أنا إلى ما قال فأصوغه صياغة أخرى، حتى إنني لم أعد أعرف ماذا جرى لنا بالضبط. الذي أعرفه هو الطبعة الأخيرة من هذه الحادثة التي تحولت من حادثة واقعة إلى قصة أدبية.

وكذلك جرى في قصة استشهاد الحسين رضي الله عنه .. هذه حادثة عادية لناس عاديين، تبادلنا روايتها أنا وأنور رحمه الله في مدة قصيرة، فضاعت الحقيقة حتى ما عدت أعرفها وأنا صاحبها! فكيف بالحادث العظيم، حادث مقتل الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تعاورته الألسنة والأقلام والأخْيِلَة والقرائح على مدى أربعة عشر قرناً ..؟ كلٌّ يجرب فيه مَلَكته ويُدخِل فيه خياله،

حتى لم تبقَ صورة من الصور التي تُهيج الأسى وتثير الشجَن وتستمطر الدمع إلا حُشِدت فوُضِعت هنا، ولا أخرى فيها الظلم وفيها القسوة وفيها الوحشية وفيها النذالة إلا جُمِعت فوُضِعت هناك!

حتى لو أن الذين كانوا هنا هم نيرون وجنكيز ( أو من هم شر منهما، بيغن وشامير ) لو أن تلك الأوصاف كانت لهم ولو أنهم قاسوا ما يقوله رُواة حادث كربلاء لأخذتك الشفقة بهم والرثاء لهم. فكيف وهم يصفون بتلك الأوصاف ابن بنت رسول الله '، الحسين بن فاطمة الزهراء، وأهل بيته الأكرمين؟

من هنا كان ما نراه ونسمع به كلما جاء يوم عاشوراء، ولولاه لما كان. فلقد مات علي، وهو أفضل من ولده، ومات قبلهما رسول الله '، وهو أفضل منهما، فما صنع المسلمون ما يصنع هؤلاء يوم عاشوراء.

جلنا في الحلة التي عرفنا اسمها في الصغر من حين حفظنا القصيدة العظيمة لصفي الدين : سلي الرماح العوالي عن معالينا .. ومشينا في طرقها ومسالكها حتى وصلنا رحبة واسعة في صدرها بابٌ مفتوح سمعنا منه شعراً يُنشَد بلحن حزين،

فاقتربنا فرأينا ناساً قد التفّوا حول هذا المُنشِد وحفّوا به دوائر وسط دوائر، وصدورهم مكشوفة قد ستروا ما تحت السرة وأظهروا ما كان فوقها.

فقال أنور بعد أن سمع الشعر : ندخل؟ فسألت مَن معنا من الطلاب لأنهم أعرف ببلادهم فقالوا : لا تدخلوا. فملت إلى رأيهم، ولكن أنور رحمة الله على روحه عمل مثل جهيزة التي «قطعت قول كل خطيب»، فدخل، ولم نستطع إلا أن نتبعه.

دخلنا فاخترقنا الصفوف، وكان مَن فيها قاعدين ساكتين، قد كفّ المنشد عن النشيد فجلسوا يستريحون كما بدا لنا، حتى بلغنا صدر المسجد أو المجلس (فلم أكن أدري أي شيء هو) فوجدنا شيخاً بعمامة خضراء (أي أنه سيد منسوب) قاعداً على كرسيّ وإلى جنبه كراسيّ فارغة، دَعَونا فقعدنا عليها.

فما لبث القوم أن عادوا إلى الوقوف وعاد الشاعر إلى الإنشاد، وكلما أنشد أبياتاً وقف وقفة، فرفعوا أيديهم بحركة واحدة ثم هبطوا بها على صدورهم بلطمة واحدة تهزّ جدران المكان من وقعها، ثم يعاود هو الإنشاد ويعاودون هم اللطم، حتى احمرّت الصدور وغمرهم العرق،

وامتلأت القلوب مما يسمعون أسىً على الحسين وحباً به ونقمة على بني أمية وعلى أهل الشام الذين حمّل هذا الشعرُ وِزرَ ما حدث عليهم ونسبه إليهم.

هنا تفيض البلاغة في صدر أحد الطلاب الذين جاؤوا معي ويغمره الشعور بمكارم الأخلاق، وتعتريه نوبة مفاجئة من نوبات الوفاء لي والتغني بمناقبي، فيقدمني للسيد ذي العمامة الخضراء فيقول له :

أعرفك بأستاذي الجليل الكاتب الشامي الكبير، مؤلف الكتب العظيمة ومنها كتاب «أبو بكر الصديق» وكتاب «عمر بن الخطاب» و ... ولم أسمع بقية الكلام لأني رحت أتشهّد ليكون آخر كلامي من الدنيا «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله».

لم أعد أسمع ما يقول لأني شعرت أن قلبي هبط إلى أسفل البطن كما يهبط المصعد الذي انقطعت سلاسله فجأة في العمارة! وأيقنت بالموت، وتلفّتُّ حولي لعلي أجد مهرباً، فإذا المكان محاط بجدران مغلقة ليس فيها إلا الباب الذي دخلنا منه،

ما للمكان نافذة ولا طاقة، وبيني وبين الباب العشرات من عراة الصدور الذين يضربون صدورهم ضربات لو نزلت على رأس ثور من ثيران المصارعة في إسبانيا لخرّ صريعاً للفم ولليدين! فكيف تكون حالي معهم لو عرفوا أني من أهل الشام وأني مؤلف كتاب أبي بكر وكتاب عمر ..؟

ومن أين أثبت لهم أني بريء من دم الحسين، لم يشارك في جريمة قتله أحد من أجدادي لأنهم كانوا في طنطا في مصر، أو لعلهم كانوا في المغرب أو في الهند أو في سيام (تايلاند) ؟ حسبي أنهم لم يكونوا في الشام، ولو كانوا فيها فإنهم بُرَآء من دم الحسين، ولو حضَرتُه لفديته بروحي غيرَ متردد، وكذلك يفعل كل مسلم.

ولكن هل كانوا يدَعون لي فرصة للدفاع عن نفسي ؟ ولو حاولت الدفاع فمن منهم يصدّقني ؟ هنالك سُقط في يدي ويئست من النجاة، وصار ما أدعو الله به سراً أن يجعل ميتتي سهلة فأموت بلا عذاب، أما النجاة فقصر عنها أملي. هذا وأنا أُلامُ على جرأتي وتهوري، ما كان الجبن يوماً من عيوبي.

أما أنور الذي أدخلنا هذا المدخل فقد اختلست نظرة إليه فوجدت لون وجهه كلون قشرة الليمون البلدي، أصفر ما فيه نقطة من دم. فنظرت إلى وجه السيد ذي العمامة الخضراء لعلّي أستشفّ منه ما ينويه، فما دلّ وجهه على شيء، فتركت الأمر لله.

وطال الموقف وأنا على هذه الحال من الترقب والفزع، حتى مرت سبعون ساعة كاملة متواصلة ولم يتبدل شيء، وكل دقيقة منها بساعة. حتى إذا انتهى الإنشاد وسكت المنشد رأيت القوم كأنهم يستعدون للرحيل، فهم يُخرجون ثيابهم فيَدخلون فيها، لم أعلم أين كانوا يخفونها.

فعرفت أنها انتهت النوبة وأن هؤلاء يذهبون ليأتي غيرهم، فأمنت قليلاً، ونظرت في ساعتي فإذا المدة التي أحسست أنها سبعون ساعة لم تكن أكثر من عشرين دقيقة، ولكن زمن الألم والخوف يطول! فودّعت السيد وأسرعت إلى الباب، فلما صرنا في الطريق حمدت الله على أني رجعت إلى الدنيا بعدما كدت أرى الموت.

وبقينا في الحلة يومين، وعرفت هذا السيد من قرب فوجدته ظريفاً لطيفاً أديباً لبيباً بعيداً عن العصبية (أو لعلها هي التَّقِيّة)، فذكّرته بما كان فقال : احمد الله على السلامة وعلى أنهم لم يسمعوا ما قال الطالب. قلت: ألم تكن لتحميني منهم ؟ فضحك وقال: ومن يحميني أنا إن حميتك ؟ لا والله، ما كنت لأحميك بل أدعك لترى مصيرك!

لم أتعرض مدة بقائي في بغداد إلى نزاع السنة والشيعة، لأني كنت أحاول التوفيق لا التفريق والوئام لا الخصام، حتى إذا جئت البصرة وكان الطلاب فيها يسألونني فأجيب بما أعرف من قول أهل السنة، لما كان ذلك ساء مشايخَ الشيعة في البصرة فبعثوا إليّ : إذا شئت المناظرة فناظِرنا نحن العلماء، لا الطلاب الذين لا يعلمون.

وكنت من صغري أحب المناظرة وقد أوتيت جدَلاً، فقلت: نعم. وتواعدنا على اللقاء، فبلغ ذلك المتصرّف فخاف الفتنة فمنعنا، ثم أذن لنا على أن تكون المناظرة بإشرافه، نأتي نحن بخمسين رجلاً وهم بخمسين، وتؤلَّف هيئة للتحكيم نحن ننتخب عضواً منها وهم عضواً، والثالث يختاره المتصرف.

وجاء يومُ المناظرة، ودخلت وأنا واثق من نفسي، أو مغترّ بها معتمد عليها. وبدؤوا هم الكلام، وكان ينبغي أن نختار بالقرعة البادئ منا. وجعلوا يسألونني، والمسؤول في المناظرة كمن يتلقى الهجمات في المعركة، والسائل هو المهاجم. وهو متمرسون بالمناظرات متمرّنون عليها مُمسكون بأطراف الخلاف.

لما رأيت ذلك وعلمت أني سأنهزم صَغُرت عليّ نفسي وتبخر منها غرورها وعادت إلى حجمها، فتوجهتُ بقلبي إلى الله منكسراً متوقعاً الهزيمة، وقلت : يا رب، أنا هنا أدافع عن سنة نبيك وعن مذهب أهل الحق، فلا تؤاخذني بما كان مني وانصرني، فإنك تنصر الحق الذي أذبّ عنه.

ومَن توجه إلى الله بالانكسار رزقه الله عزة الانتصار، ومَن اعتمد على نفسه وَكَله الله إليها. وكنت أدعو مضطراً واثقاً من الإجابة، فما هي إلا لحظات حتى انفسح لي طريق إلى أخذ المبادرة لي بالكلام. وكان الكلام على بيعة أبي بكر، فقلت لهم : كيف بايع علي أبا بكر وأنتم -شيعة علي - تنكرون خلافته ؟ هل بايع مختاراً أو مكرَهاً ؟

إن قلتم إنه مكرَه سلبتموه أحد شرطَي الخلافة وهو القوة، إذ لا يصلح لها إلا المؤمن القوي. ثم إنكم خالفتم بذلك الواقع لأن علياً رضي الله عنه كان أعزّ من أن يُكرهه أحد على ما لا يريد، بدليل أنه تأخر عن البيعة عدة أشهر فما عرض له أحد، وأن سعد بن عُبادة لم يبايع فلم يجبره أحد على البيعة.

فإذا كان قد بايع باختياره لم يبايع مُكرَهاً فإنني أسألكم: هل بايع وهو يعلم أنه يبايع صالحاً للخلافة أهلاً لها وأنه بذلك يُرضي الله، أم بايع ابتغاء الدنيا ؟ لقد كان علي رضي الله عنه أتقى لله من أن يبايع مَن لا يرى صلاحه للخلافة.

فحاولوا تبديل الموضوع وصرف الكلام عن وجهته، فقلت : لا، هذا هرب من الجواب وأنا ألزمكم به. واشتدّ الخلاف فطلبت من لجنة التحكيم أن تقول كلمتها، فقالت لهم اللجنة : إنكم هربتم من الجواب، وإن لم تجيبوا لزمتكم الحجة.

وانتهت المناظرة. وخرجت وأنا أنفض عني غبار الموت. ولعله أشد من الموت بأيدي اللاطمين في الحلة، لأن ذاك موت فردي لي وهذه هزيمة لمبدأ أقمت نفسي بحماقتي محامياً عنه، ودخلت المعركة معتمداً عليها لا على الله.

وحفظت بعدها الدرس، فلم أدخل معركة إلا بعد أن أمحو من نفسي غرورَها وأعتمد في النصر على خالقها ومسيّرها .. وكذلك يكون النصر في المعارك كلها: معارك الكلام ومعارك الحسام.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص