الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهله للاستاذ : سالم عبود خندور

الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهله

خطبة الجمعة ١٥ ديسمبر ٢٠١٧

للاستاذ : سالم عبود خندور

بمسجد عمر حيمد بسيئون

للاستماع للخطبة النقر على الرابط :

 

https://e.top4top.net/m_714xqdmw0.mp3

الخطبة النصية :

الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهله

٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩هـ
الموافق : ١٥ ديسمبر ٢٠١٧م

أيها المؤمنون عباد الله :

اننا في زمن انتكست فيه الفِطَر السوية، وتبدلت فيه المفاهيم السوية، عقَّ الرجل أباه وأكرم صديقه، وبرَّ زوجته وأساء إلى أمه، وصار كثير من الرجال خارج بيوتهم كائنات وديعة وأليفة، يهشّ ويبشّ لمحادثة زميلة، أو امرأة غريبة، ويُبدي أدبًا، ويظهر كرمًا، ويعلي قيمًا خارج بيته، أما إذا رجع إلى امرأة أسيرة عنده في بيته، لا تستطيع خروجًا من أسره دون إذنه، فإنه يبدو بصورة مختلفة تمامًا، فيعلو صوته، ويظهر غضبًا، ويعلن تبرُّمًا، ويبدي أسفه على أشياء تافهة بسيطة يتغاضى العقلاء عنها.. وصار كثير من المسلمين اليوم يظهرون التبرم والشكوى من زوجاتهم وأبنائهم، وانتشرت الشكاوى المرة، والكل لا يضع نصب عينيه إلا حقوقه، ولا يسأل عن واجباته.. وكثير من الرجال يتصور أن علاقته بزوجه علاقة الآمر بالمأمور ، والتابع بالمتبوع ، والخادم بالمخدوم . ومن ثم فعليه الأمر وعليها الطاعـة ، وعليه أن يستلقي في الدار وعليها أن تقوم بكل شيء ، عليه أن يوفر القوت وعليها أن تدفع ثمن ذلك ذلا وخضوعا وانكسارا . وهنا نتساءل أين نحن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يحمل مهام العظام، ومسئوليات القادة، ومهام قيادة الأمة، وإرشادها، وصبر على ما لاقاه من شدائد ومع ذلك كان صلى الله عليه وسلم خير الناس لأهله. دعونا أيها الاخوة الكرام في هذه الخطبة أن نفتح صفحة أخرى من حياة الحبيب المصطفى عنوانها: (الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهله) وهي الخطبة الرابعة في سلسلتنا (مع الحبيب )..

أيها المؤمنون :

لقد تميَّز تعامل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع النساء بمستوى راقٍ من التقدير والاحترام، بدأه بقوله: «خَيْرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (رواه الترمذي)، فجعل أفضل الرجال أكثرهم إحسانًا لزوجته وأهل بيته، ثم بدأ بنفسه تطبيق ذلك المبدأ الذي رفعه؛ فإذا هو يعلن بين الناس أنه خير من يُحسن معاملة زوجته وأهل بيته، وأنهم يجب أن يقتدوا به في ذلك. جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعلن أن احترام المرأة وتقديرها هو أمر رباني ومبدأ نبويّ من مبادئه لا يحق لأحد أن يتجاوزه، فيقول: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله» (رواه مسلم) .. وكان يرفع قدر المرأة -زوجة أو بنتًا أو أختًا..-، فيرُدّ على الذين يكرهون أن تولد لهم أنثى فيقول: «من عال جاريتين حتى يبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وقرَّب بين أصابعه» (رواه مسلم). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ كَانَ لَه ثَلاث بَنَات، فصَبَرَ عَلَيْهنَّ، وَأَطْعَمَهنَّ وَسَقَاهنَّ وَكَسَاهنَّ منْ جدَته كنَّ لَه حجَابًا منْ النَّار يَوْمَ الْقيَامَة».(رواه ابن ماجه )

أيها الاخوة المؤمنون :

ولما كان الاعتقاد عند البعض بأن المرأة لا تصلح لشيء إلا للاستمتاع والخدمة صارت مشاورتها في شؤون البيت ، وأخذ رأيها فيما يأتي الزوج أو يذر خطيئة كبرى تحط من قيمة الزوج ، وتهز من كبريائه ، وصار نزول الرجل عن رأيه من أجل زوجه في عرف هؤلاء شرخا في الرجولة لا يمكن أن يلتئم ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى لرأي المرأة ومشورتها القدر والمكانة اللائقين بها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير في أموره دائما، وكان يطلب رأي المرأة التي لم يكن أحد يسمع لرأيها، ولا يقيم لها وزنًا في زمانه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل البشر في معاملته أهله، يرفق بهم ويرحمهم ولا يتعنت في معاملة المرأة، وإذا كان كثير من الرجال يثقل عليه أن يفعل شيئًا في بيته بنفسه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مع كثرة الأعباء التي كانت منوطة به من قيادة الدولة، والقضاء بين الناس، وتحمل مسئولية الرسالة وقيادة الجيش، إلا أننا نراه في بيته مشاركًا بجهد ملحوظ في رعايته وخدمته، تقول زوجته عائشة: «كان عليه الصلاة والسلام في مهنة أهله فإذا سمع الأذان خرج» (رواه البخاري)- يعني خرج للصلاة- ..

أيها الاخوة الكرام :

وقد يبلغ الرفق بالمرأة مداه في تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم عندما يُعْلِم الزوج أن يضع اللقمة في فم زوجته ويحتسب لذلك أجرًا عند الله سبحانه، فيقول: «إنك مهما تنفق من نفقة على أهلك فهي صدقة، حتى اللقمة تضعها في فـيّ امرأتك لك عليها أجر». (متفق عليه).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره بشدة ويحذر من ضرب المرأة أو تعنيفها، أو وصفها بالقبح فيقول -صلى الله عليه وسلم- : «ولا تقبح ولا تضرب» (رواه أبو داود).
وعلَّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن الزوجة تحتاج إلى الكلمة الطيبة، والبسمة المشرقة، واللمسة الحانية، والمعاملة الودودة، والمداعبة اللطيفة، التي تطيب بها النفس، ويذهب بها الهمّ، وتسعد بها الحياة، وعلَّمهم أن مراعاة الحالة النفسية والقلبية للمرأة من أهمّ حقوقها التي على أساسها يمكن أن تقوم المرأة بدورها كزوجة ناجحة وأم صالحة.
وكان صلى الله عليه وسلم حتى في قضاء رغبته من المرأة، كان يراعي الآداب والذوق الرفيع، فينهى أن يأتي الرجل زوجته مباشرة، ويأمره أن يتحين الوقت الملائم، وأن يبتدئ معها بمقدمات لطيفة ورقيقة وبالقُبْلة حتى تطمئن نفسها وتشاركه ما يريد منها. صلى الله عليه وسلم وصدق الله تعالى ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ..)

قلت ما قد سمعتم ....

الخطبة الثانية :

أيها الاخوة الكرام :

ولم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى زوجاته في حياتهن بل اتصف بخُلُق الوفاء الكامل تجاه من شاركته حياته، ورحلت عنه، فلقد تزوج من خديجة، وعاش معها زهرة شبابه، ورزقه الله منها الولد، وتحملت معه المصاعب والمشكلات، فكانت نِعْم اليد الحانية عليه ونعم القلب الرؤوم له، وكان وجودها كافيًا لإزالة مشاعر الحزن من حياته، وماتت وعمره صلى الله عليه وسلم خمسون سنة، ولم يتزوج عليها امرأة أخرى طوال مدة زواجها التي استوعبت شبابه، رغم أن هذا الأمر كان شائعًا في ذلك الوقت، وفي ذات يوم تطرق بابه امرأة طاعنة في السن، فيُحسن استقبالها ويسألها عن حالها بلهفة، فلما خرجت قالت له زوجته عائشة: لِمَ تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ كأنها تعجبت من اهتمامه الزائد بها، فقال: «يا عائشة إنها من صويحبات خديجة، وإنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حُسْن العهد من الإيمان». (رواه البيهقي) ..

أيها المؤمنون عباد الله :

لقد أنصف رسول الاسلام المرأة أمّا وزوجة وبنتا وأختا ، وأما مايزعم به البعض أن الإسلام ظلم المرأة فهو مخطئ لأنه لم يعرف الإسلام. والذي ظلم المرأة حقا هي عاداتنا وتقاليدنا؛ عاداتنا التي منعت المرأة من الميراث بدعوى أنه سيأخذه زوجها, عاداتنا التي منعت المرأة من التعليم بحجة أن لا فائدة من تعليمها ،عاداتنا التي منعت المرأة من الحصول على حقوقها. أما ما ينادي به اليوم دعاة حقوق المرأة فما هي الا دعوى هلامية غير واضحة. ما من شك أن للمرأة حقوقا كما أن للرجل حقوقا، وعليها واجبات كما على الرجل واجبات. ومن اللازم تبصير المرأة بحقوقها، ومساعدتها في تحصيلها وحفظها وحمايتها, و ليس من الحياء ولا من حسن الأخلاق ألا تطالب المرأة بحقوقها أمام أبيها وأخيها وزوجها, فقوامة الرجل حق ومسئولية؛ ولكنها ليست تسلطا ولا ظلما ولا تعسفا ...

وصلوا وسلموا ..

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص