تقرير " نتنياهو يكشف خريطة تحالفات الشرق الأوسط.. أين يقع جنوب اليمن في الحسابات الإسرائيلية؟

حضرموت اليوم | تقرير تحليلي

أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ملف التحالفات الإقليمية إلى واجهة النقاش السياسي، من خلال خريطة تعكس تصوراً إسرائيلياً جديداً لموازين القوى في الشرق الأوسط، وتقسم المنطقة إلى ثلاثة محاور رئيسية، تتصدر إسرائيل والإمارات أحدها، في مقابل محور يضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان، وآخر تقوده إيران وحلفاؤها.

وتبرز أهمية هذه الخريطة بالنسبة إلى اليمن من إدراج مناطق في جنوب البلاد ضمن الدائرة المرتبطة بالمحور الإسرائيلي الإماراتي، الأمر الذي يفتح باب التساؤلات بشأن موقع الجنوب في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، وعلاقة ذلك بالنفوذ الإماراتي عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، والأهمية الاستراتيجية للموانئ والجزر والممرات البحرية اليمنية.

وبينما تعكس الخريطة رؤية إسرائيلية لمجالات النفوذ والتقاطعات السياسية والأمنية المحتملة، فإنها لا تعني بالضرورة وجود تحالفات رسمية بين جميع الأطراف المدرجة فيها، ما يستدعي التمييز بين التصورات الاستراتيجية والعلاقات القائمة فعلياً على الأرض.

عقيدة أمنية إسرائيلية.. من الاحتواء إلى الهجوم

تأتي الخريطة في سياق توجه إسرائيلي لإعادة صياغة مفاهيم الأمن القومي، على خلفية تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما أعقبه من حرب امتدت تداعياتها إلى جبهات إقليمية متعددة.

ووفق التفاصيل المنسوبة إلى الوثيقة التي عرضها نتنياهو، ترتكز الرؤية الأمنية الجديدة على إعطاء الأولوية للضربات الاستباقية والمبادرة العسكرية بدلاً من الاكتفاء بسياسات الاحتواء والردع التقليدي، إلى جانب تعزيز حماية الجبهة الداخلية وتطوير الصناعات العسكرية المحلية وتقليص الاعتماد على مصادر التسليح الخارجية.

كما تتضمن الرؤية توسيع الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، وتعزيز القدرات الدفاعية في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، بالتوازي مع بناء شبكة أوسع من العلاقات والتحالفات الإقليمية.

وتحتل إيران موقعاً مركزياً في هذا التصور، باعتبارها، وفق الرؤية الإسرائيلية، المصدر الأبرز للتهديدات الإقليمية، سواء من خلال قدراتها العسكرية المباشرة أو عبر الجماعات المسلحة المرتبطة بها.

وفي ضوء هذه المعطيات، يتجاوز مفهوم الأمن الإسرائيلي حدود المواجهة المباشرة إلى مراقبة مصادر التهديد ومناطق النفوذ الممتدة خارج الحدود، وهو ما يفسر تزايد الاهتمام الإسرائيلي باليمن والبحر الأحمر، خصوصاً بعد الهجمات التي نفذتها جماعة الحوثي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، واستهداف حركة الملاحة البحرية.

ثلاثة محاور تعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي

تقسم الخريطة المنسوبة إلى نتنياهو الشرق الأوسط ومحيطه الإقليمي إلى ثلاثة محاور، تعكس طبيعة العلاقات والتقاطعات التي تراها إسرائيل مؤثرة في مستقبل التوازنات السياسية والأمنية.

المحور الأول: إسرائيل والإمارات

يظهر هذا المحور باللون الأزرق، ويضم إسرائيل والإمارات في مركزه، مع دائرة أوسع تشمل، بحسب التصنيف المعروض، إثيوبيا وأرض الصومال وقوات الدعم السريع في السودان والقوات التابعة لخليفة حفتر في ليبيا، إلى جانب اليونان والمجلس الانتقالي في جنوب اليمن.

ويشير هذا التصنيف إلى تصور إسرائيلي لشبكة من الأطراف التي تتقاطع مصالحها، بدرجات متفاوتة، مع المصالح الإسرائيلية والإماراتية، دون أن يشكل ذلك دليلاً على وجود تحالف سياسي أو عسكري رسمي يجمع جميع هذه الأطراف.

المحور الثاني: السعودية وتركيا ومصر وباكستان

يضم المحور الذي تصفه الخريطة بـ«السني» كلاً من السعودية وتركيا ومصر وباكستان، إلى جانب دول وأطراف أخرى تظهر ضمن دائرته، بينها الأردن وقطر والكويت وسوريا والسلطة الفلسطينية.

ويعكس هذا التصنيف قراءة إسرائيلية لتوازنات القوى الإقليمية، لكنه لا يعني بالضرورة وجود تحالف موحد بين هذه الدول، خصوصاً في ظل اختلاف مواقفها السياسية وعلاقاتها الإقليمية وأولوياتها الأمنية.

المحور الثالث: إيران وحلفاؤها

يتمركز المحور الثالث حول إيران، ويشمل جماعات وقوى مرتبطة بها في اليمن ولبنان والعراق، ضمن شبكة النفوذ الإقليمي التي تنظر إليها إسرائيل باعتبارها أحد أبرز التحديات لأمنها القومي.

ويكشف هذا التقسيم عن رؤية إسرائيلية تقوم على توزيع المنطقة وفق دوائر النفوذ والمصالح والتهديدات، أكثر من كونه توصيفاً نهائياً لتحالفات سياسية وعسكرية مكتملة.

جنوب اليمن.. لماذا يظهر في المحور الإسرائيلي الإماراتي؟

يمثل إدراج مناطق في جنوب اليمن ضمن الدائرة المرتبطة بإسرائيل والإمارات أبرز الجوانب المثيرة للاهتمام في الخريطة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للجنوب وطبيعة النفوذ الإماراتي فيه.

فالجنوب اليمني يمتد على سواحل استراتيجية مطلة على خليج عدن وبحر العرب، ويجاور مضيق باب المندب الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية الرابطة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي، فضلاً عن احتضانه موانئ وجزراً ذات أهمية اقتصادية وأمنية.

وتكتسب هذه المواقع أهمية متزايدة في الحسابات الإسرائيلية، خصوصاً بعد الهجمات الحوثية التي استهدفت الملاحة في البحر الأحمر والسفن المرتبطة بإسرائيل، وما ترتب عليها من اضطرابات في حركة التجارة والنقل البحري.

وفي المقابل، عززت الإمارات خلال السنوات الماضية نفوذها السياسي والعسكري في جنوب اليمن عبر علاقاتها مع المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى محلية أخرى، في إطار اهتمامها الأوسع بالموانئ والجزر والممرات البحرية.

ويضع هذا التقاطع الجغرافي والسياسي جنوب اليمن ضمن نطاق الاهتمام الإسرائيلي والإماراتي، ويثير تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه القوى المحلية في أي ترتيبات أمنية إقليمية مستقبلية.

غير أن إدراج الجنوب في هذه الدائرة لا يكفي لإثبات وجود تحالف عسكري مباشر بين إسرائيل والمجلس الانتقالي، ما لم تتوافر أدلة مستقلة على اتفاقات أو ترتيبات أمنية محددة بين الطرفين.

المجلس الانتقالي وإسرائيل.. من الانفتاح السياسي إلى احتمالات التطبيع

لا تنفصل دلالات الخريطة عن المواقف السابقة التي صدرت عن قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي بشأن مستقبل العلاقات مع إسرائيل.

فقد أبدى رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، انفتاحاً على احتمال انضمام دولة جنوبية مستقبلية إلى اتفاقات أبراهام، في حال تحقق مشروع استقلال الجنوب، وهو موقف يعكس استعداداً سياسياً للنظر في إقامة علاقات مع إسرائيل ضمن تصور المجلس لمستقبل الدولة التي يسعى إلى تأسيسها.

ويكتسب هذا الموقف أهمية إضافية في ضوء العلاقات الإماراتية الإسرائيلية التي أُعلنت رسمياً عام 2020، وما أعقبها من تعاون سياسي واقتصادي وأمني بين البلدين.

ويثير تقاطع هذه المعطيات تساؤلات بشأن ما إذا كانت إسرائيل تنظر إلى المجلس الانتقالي باعتباره شريكاً محتملاً في ترتيبات إقليمية مستقبلية، خاصة في الملفات المتعلقة بأمن الملاحة ومواجهة النفوذ الإيراني.

لكن الانفتاح السياسي المعلن على التطبيع لا يمثل بحد ذاته دليلاً على وجود اتفاق عسكري أو أمني قائم، كما أن أي انتقال من التصريحات السياسية إلى العلاقات الرسمية سيظل مرتبطاً بالتطورات الداخلية اليمنية ومواقف القوى الإقليمية والدولية.

ومن شأن أي توجه في هذا المسار أن يفتح نقاشاً واسعاً بشأن السيادة اليمنية، ومستقبل العلاقات مع السعودية، ومواقف القوى السياسية والاجتماعية في الجنوب، فضلاً عن الحساسية الشعبية تجاه القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل.

حضرموت.. موقع استراتيجي ومصالح تتجاوز خرائط النفوذ

في خضم الحديث عن جنوب اليمن ضمن خرائط التحالفات الإقليمية، تبرز حضرموت بوصفها محافظة ذات خصوصية جغرافية واقتصادية وسياسية، لا يمكن اختزال موقعها ومصالحها ضمن توجهات طرف سياسي واحد.

فالمحافظة تمتلك امتداداً ساحلياً واسعاً على بحر العرب، وتضم موانئ ومنشآت نفطية ومواقع اقتصادية مهمة، إلى جانب منفذ الوديعة البري مع السعودية، ما يمنحها ثقلاً استراتيجياً في حركة التجارة والطاقة والاتصال الجغرافي بين اليمن ومحيطه الإقليمي.

وتجعل هذه المقومات حضرموت جزءاً من الحسابات الاقتصادية والأمنية المرتبطة بالممرات البحرية وموارد الطاقة والاستقرار الإقليمي، لكنها لا تعني بالضرورة انخراطها في أي محور من المحاور التي تعرضها الخريطة الإسرائيلية.

كما أن الواقع السياسي والاجتماعي في حضرموت يتسم بتعدد القوى والمكونات المحلية، وتباين الرؤى بشأن إدارة الموارد والتمثيل السياسي والأمن المحلي ومستقبل المحافظة، وهي ملفات لا تتطابق بالضرورة مع أولويات المجلس الانتقالي الجنوبي أو بقية الأطراف اليمنية والإقليمية.

ومن هنا، فإن التعامل مع حضرموت باعتبارها امتداداً تلقائياً لأي مشروع سياسي أو محور إقليمي يتجاهل تعقيدات واقعها المحلي وتعدد مصالحها وعلاقاتها.

وتبرز أهمية المحافظة في قدرتها على التأثير في التوازنات السياسية والاقتصادية جنوب اليمن، بالنظر إلى مواردها وموقعها وعلاقاتها الحدودية والاقتصادية مع السعودية، ما يجعل مستقبلها عاملاً مهماً في أي ترتيبات إقليمية تتصل بجنوب البلاد.

البحر الأحمر وباب المندب.. المصالح الأمنية خلف الخريطة

يمثل البحر الأحمر أحد أبرز الملفات التي تربط الحسابات الأمنية الإسرائيلية بالتطورات الجارية في اليمن.

فالهجمات الحوثية على السفن التجارية، وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل، أظهرت أن التهديدات الأمنية يمكن أن تمتد من الأراضي اليمنية إلى المصالح الإسرائيلية والممرات البحرية الدولية.

وقد أسهمت هذه التطورات في تعزيز الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب وخليج عدن، باعتبارهما جزءاً من منظومة الملاحة الدولية التي تربط آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

وفي هذا السياق، تبدو الموانئ والجزر والسواحل اليمنية ذات أهمية متزايدة بالنسبة إلى القوى الإقليمية والدولية التي تسعى إلى تأمين حركة التجارة وحماية مصالحها الاقتصادية والعسكرية.

كما أن العلاقات الإسرائيلية الإماراتية تفتح مجالاً للتساؤل بشأن احتمالات التقاطع بين مصالح البلدين في أمن الملاحة البحرية، خصوصاً في ظل الحضور الإماراتي في مناطق جنوب اليمن والقرن الأفريقي.

ومع ذلك، فإن وجود مصالح أمنية متقاربة لا يعني بالضرورة وجود ترتيبات عسكرية مشتركة على الأراضي اليمنية، كما لا يثبت أن جميع القوى المحلية المرتبطة بالإمارات تشارك إسرائيل أهدافها أو سياساتها الإقليمية.

هل تؤسس الخريطة لتحالفات جديدة في المنطقة؟

تشير الرؤية المنسوبة إلى نتنياهو إلى توجه إسرائيلي نحو إعادة ترتيب الأولويات الأمنية وبناء شبكة أوسع من العلاقات الإقليمية، بالتزامن مع تبني عقيدة أكثر ميلاً إلى المبادرة العسكرية والضربات الاستباقية.

غير أن تحويل هذه التصورات إلى تحالفات فعلية يواجه تحديات سياسية وأمنية متعددة، في مقدمتها اختلاف مصالح الدول والأطراف المدرجة في الخريطة، وتباين مواقفها من إسرائيل والقضية الفلسطينية والصراعات الإقليمية.

فإدراج السعودية وتركيا ومصر وباكستان ضمن محور واحد لا يعني وجود موقف موحد بينها تجاه إسرائيل، مثلما أن ظهور أطراف محلية في الدائرة الإسرائيلية الإماراتية لا يمثل دليلاً كافياً على ارتباطها بتحالفات رسمية مع تل أبيب.

وبالنسبة إلى اليمن، تكمن الدلالة الأبرز في تزايد الأهمية الاستراتيجية لسواحله وجزره وموانئه، وما قد يترتب على ذلك من تصاعد التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في المناطق المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب.

وفي ظل استمرار الانقسام السياسي والعسكري الداخلي، قد تتحول هذه المواقع إلى ساحات أكثر حساسية للتجاذبات الإقليمية، خاصة إذا اتجهت القوى الخارجية نحو توسيع ترتيباتها الأمنية والبحرية في المنطقة.

.. جنوب اليمن بين الحسابات الإسرائيلية وتعقيدات الواقع..

تعكس خريطة نتنياهو تصوراً إسرائيلياً لإعادة قراءة موازين القوى في الشرق الأوسط، وتكشف عن الأهمية التي توليها إسرائيل لشبكات النفوذ الإقليمي، وفي مقدمتها علاقاتها مع الإمارات والأطراف التي ترى إمكانية تقاطع مصالحها معها.

ويكتسب إدراج مناطق في جنوب اليمن ضمن هذه الدائرة دلالة سياسية وأمنية تستحق المتابعة، بالنظر إلى النفوذ الإماراتي عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، والمواقف السابقة لقيادته بشأن التطبيع، فضلاً عن الموقع الاستراتيجي للموانئ والجزر والممرات البحرية اليمنية.

ومع ذلك، تظل الخريطة تعبيراً عن تصور إسرائيلي لا يكفي وحده لإثبات وجود تحالف عسكري مباشر بين إسرائيل والإمارات والمجلس الانتقالي، أو الجزم بأن الأطراف المدرجة ضمن المحور الواحد تتحرك وفق أجندة مشتركة.

أما حضرموت، فإن موقعها ومواردها وخصوصيتها السياسية والاجتماعية تفرض قراءة مستقلة لمصالحها ومستقبلها، بعيداً عن اختزالها في تصنيفات إقليمية لا تعكس بالضرورة إرادة سكانها أو توجهات مكوناتها المحلية.

ويبقى السؤال الأهم: هل يكشف إدراج جنوب اليمن في الدائرة الإسرائيلية الإماراتية عن ترتيبات وتحالفات يجري تشكيلها بعيداً عن الأضواء، أم أنه مجرد تصور استراتيجي إسرائيلي لمناطق النفوذ التي تسعى تل أبيب إلى توسيع حضورها فيها؟

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص