عند شباك الصرافة

هناك عجوز متوكئ على عصاته في انتظار راتبه التقاعدي الذي لا يسد به جوعه من غير مساعدة المنظمات الأهلية، العجوز الذي أفنى عمره في خدمة البلاد وكان أحد شجعان الجيش في زمانه، لا يكترث إليه أحد فيما عنده من الكم الهائل من البنات وزوجته المريضة، كل ما في الأمر أن الزمان قد مر عليه حسب توصيف الطبقة البرجوازية التي تنظر للمجتمع أنه عبارة عن سلعة في ميزان الربح والخسارة.

بنبرة حادة أخبره الصراف أن الرواتب في انتظار اعتمادها من المسؤول، وأنها قد تتأخر لعدة أيام فلا داعي للانتظار، الشيك الذي لا يدرك المسؤول أن بضع ثوان للإمضاء عليه يعتمد عليه الكثير من أرباب الأسر وأنها أملها الوحيد من السؤال والمذلة.

يتفنن المسؤولون في إذلال من تحتهم من الرعية لكي يضمنوا اتصال ودهم في كل مرة يخرج فيه الراتب المتقطع الذي لا يسد رمق الحياة، مع تأمين شكرهم لهم فيما أنجزوه من الإمضاء على الراتب الذي لا يتعدى ال30 دولارا فيما قيمة علاج زوجته أكثر من ذلك.

بخطى متعثرة غادر العجوز شباك الصرافة ويلفه ألف سؤال يبحث له عن جواب لكي يقنع زوجته المريضة المتألمة أن الراتب لا زال حبيس الأدراج وان الدواء الذي وعدها به لا يستطيع شراءه.

ذهب العجوز الذي حفر في وجه معول الزمان، وعصاه تسحب في الأرض لتعمل خطوط متعرجة غير آبه بخطوط السير التي يمشي فيها موكب المسؤول، وبسرعة جنونية ارتطمت إحدى سيارات المسؤول في جسد العجوز النحيل وتمزقت أوراق استلام راتبه وطارت في الشارع دون ان يتوقف الموكب.

مات العجوز كمداً فسارع المسؤول بتقديم التعازي والإشادة بمواقفه ومناقبه النبيلة وأنه أحد رموز النضال في زمانه، وان الوطن خسر شخصية مهمة ساعدت في تثبيت دعائم ومداميك الأمن والاستقرار في البلاد، كان ذلك الحديث في حفل تأبيني أقامه المسؤول بمبالغ باهظة لفقد العجوز وكان العجوز في حاجة هذه الأموال ليعالج زوجته المريضة وبناته اللاتي ينتظرون لقمة العيش.

مات العجوز وماتت أحلامه في توفير الدواء لزوجته، مات وترك بناته في انتظار طابور طويل من المذلة والحرمان، لقد تمزقت أوراق الراتب، وأنى لهم أن يصلوا للمسؤول لتجديد الأوراق بعد أن كان المتسبب في قتلة عدة مراتب بتأخير مستحقاته ورواتبه...

 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص