شهد الخطاب السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي خلال شهر سبتمبر 2026 تحولاً تدريجياً في طريقة تعاطيه مع المواجهات العسكرية ضد جماعة الحوثي، انتقل خلال أسابيع من التحفظ العلني على الزج بقواته في «الحرب»، إلى الدعوة لـ«التعبئة العامة» ودعم الجبهات والإشادة بالمقاتلين، وصولاً إلى تبنٍ سياسي ومؤسسي واضح للمعارك الدائرة في جبهات كهبوب والمضاربة والصبيحة والمناطق المتاخمة لمحافظة لحج.
من خلال تتبع البيانات والتصريحات الرسمية الصادرة عن المجلس خلال هذا الشهر يظهر أنه بدأ بإعادة تعريف المواجهة باعتبارها -وفق خطابه - معركة للدفاع عن «حدود الجنوب»، مع إصرار متزايد على وصف القوات المشاركة فيها بـ«القوات المسلحة الجنوبية»، ورفض إدراجها ضمن تسمية القوات الحكومية أو القوات المسلحة اليمنية.
ومن خلال التسلسل الزمني نجد المجلس الانتقالي تدرج من 9 سبتمبر.. تحفظه الصريح على «الحرب » الى الانخراط في الحرب والتعبئة العامة .
«9 سبتمبر.. تحفظ صريح على «الحرب المفتوحة»»
بدأ الموقف بصورة واضحة في التاسع من سبتمبر، حين أشادت الأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس بما وصفته بـ«الوعي المجتمعي والقبلي الرافض لمحاولات الزج بالقوات الجنوبية» في التصعيد العسكري مع الحوثيين.
وقالت الأمانة العامة إن أي مشاركة عسكرية ينبغي أن تستند إلى رؤية سياسية واضحة تراعي قضية الجنوب، مؤكدة أن الجنوب معني بمواجهة خطر الحوثيين وحماية حدوده وباب المندب والممرات البحرية، لكنه يرفض استخدام قواته وأبنائه في «حرب مفتوحة» من دون استراتيجية سياسية وعسكرية مشتركة تحدد الأهداف والنتائج والضمانات وموقع القضية الجنوبية في أي تسوية لاحقة.
وبذلك وضع البيان الأول إطاراً مشروطاً للمشاركة باعتبار مواجهة الحوثيين ليست مرفوضة من حيث المبدأ، لكن المجلس يرفض تحويل قواته إلى جزء من حرب أوسع لا ترتبط، بحسب رؤيته، بمصالح الجنوب ومستقبله السياسي.
«16 سبتمبر.. دعم الجبهات مع تثبيت «حدود الجنوب»
وبعد أسبوع فقط، ظهر تطور في الخطاب الميداني، ففي 16 سبتمبر أعلن الأمين العام للمجلس وضاح الحالمي دعمه للجهود المبذولة في جبهات كهبوب والأغبرة والمضاربة ورأس العارة ومواقع أخرى في الصبيحة، في ظل المواجهات مع الحوثيين، وركز الخطاب على «حماية حدود الجنوب» وتعزيز صمود المقاتلين فيها.
وفي اليوم ذاته، أعادت الأمانة العامة تثبيت السقف السياسي لهذا الدعم، قائلة إن مواجهة الحوثيين «لا تعني الزج بالقوات المسلحة الجنوبية في معارك خارج حدود الجنوب»، وإن الأولوية تبقى لحماية الأرض والأمن والاستقرار في المحافظات التي يعدها المجلس جزءاً من الجنوب.
وهنا بدأ يتضح مساران متوازيان في خطاب المجلس وهي رفض نقل قواته إلى جبهات خارج نطاقه الجغرافي الذي يحدده سياسياً، مقابل دعم متزايد للمقاتلين في الجبهات التي يصنفها بوصفها جبهات دفاع حدودية.
«20 سبتمبر.. الزبيدي يتبنى مقاتلي كهبوب سياسياً»
برز هذا الاتجاه بصورة أوضح في 20 سبتمبر عندما بعث رئيس المجلس عيدروس الزبيدي برقية عزاء في مقتل أركان اللواء 13 عمالقة ياسين الجبري.
ووصف الزبيدي المواجهات في كهبوب والمضاربة بأنها معارك تخوضها «القوات المسلحة الجنوبية دفاعاً عن حدود الجنوب»، مشيداً بالجبري ورفاقه في المواجهات مع الحوثيين.
وجاءت أهمية الرسالة في أنها صدرت عن رئيس المجلس نفسه، واستخدمت بصورة مباشرة توصيف «القوات المسلحة الجنوبية» للمقاتلين الموجودين في الجبهة، في وقت كانت المؤسسات الحكومية تستخدم توصيفاً مختلفاً؛ إذ كانت وكالة «سبأ» الرسمية قد وصفت ألوية العمالقة في تغطية سابقة خلال الشهر بأنها تعمل «ضمن القوات المسلحة اليمنية».
«23 سبتمبر.. من الدعم إلى «التعبئة العامة»
مثّل اجتماع الأمانة العامة في 23 سبتمبر محطة أكثر تقدماً في خطاب المجلس.
فبعد الحديث عن رفع الجاهزية والاستعداد لمواجهة التطورات العسكرية، دعا الحالمي مختلف مؤسسات وقطاعات المجتمع إلى تعزيز التنسيق وتكامل الإمكانات لدعم الجبهات، مؤكداً أن مواجهة التهديدات تستوجب «التعبئة العامة» وتوحيد الجهود لدعم ما سماها القوات المسلحة الجنوبية.
وبهذا انتقل الخطاب من التحفظ على المشاركة في حرب مفتوحة مطلع الشهر إلى حشد سياسي ومجتمعي لدعم المعارك، مع بقاء تعريف تلك المعارك في إطار حماية «حدود الجنوب» وليس الاندماج في استراتيجية الحرب الحكومية الأوسع.
وتزامن ذلك مع بدء عمل لجنة حكومية لإسناد الجبهات في عدن في 21 سبتمبر، وهي لجنة شُكلت بتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي لتنسيق الدعم الشعبي والرسمي للقوات المسلحة والمقاومة في مختلف الجبهات، ضمن خطاب حكومي يقدم المواجهة باعتبارها معركة وطنية لاستعادة الدولة.
«28 سبتمبر.. الخلاف ينتقل إلى هوية القوات والانتصارات»
في 28 سبتمبر أخذ الخلاف بُعداً أكثر وضوحاً حول هوية القوات المشاركة في المواجهات.
فقد قالت هيئة الإعلام والثقافة التابعة للأمانة العامة للمجلس إن القوات التي تقاتل في الجبهات هي «القوات المسلحة الجنوبية» المدعومة من قبائل الجنوب، محذرة مما وصفته بمحاولات «تضليل وتزييف» الانتصارات ونسبها إلى «قوات لا وجود لها في ميدان المعركة».
ويمثل هذا البيان أحد أبرز المؤشرات على أن التباين لم يعد متعلقاً بمبدأ مواجهة الحوثيين وحده، وإنما أصبح أيضاً خلافاً سياسياً وإعلامياً حول هوية التشكيلات المقاتلة والمرجعية التي تنسب إليها انتصاراتها.
«30 سبتمبر.. تبنٍ مؤسسي للجبهات»
بحلول نهاية الشهر، باتت الجبهات العسكرية حاضرة بصورة مركزية في اجتماعات هيئات المجلس.
ففي 30 سبتمبر قالت الأمانة العامة إن العمليات العسكرية على ما أسمته «حدود الجنوب» تخوضها «القوات المسلحة الجنوبية بدعم من قبائل الجنوب»، ودعت إلى رص الصفوف وتوحيد الجهود لدعم الجبهات وتعزيز قدراتها، وفي البيان نفسه استخدمت الأمانة مصطلح «سلطات الوصاية» عند تناولها الأوضاع السياسية والخدمية، بما يعكس استمرار الخلاف السياسي مع مؤسسات السلطة رغم تصاعد المواجهات مع الحوثيين.
وفي اليوم ذاته، ناقشت الهيئة الإدارية للجمعية الوطنية التابعة للمجلس تطورات جبهات الصبيحة والمناطق المتاخمة لمحافظة لحج، والتقديرات العملياتية وحركة القوات والإمداد، ودعت إلى رفع مستوى التنسيق بين الجوانب السياسية والأمنية والعسكرية والإعلامية والميدانية لمواجهة التطورات.
«رسالة الزبيدي الاخيرة»
اختتم الزبيدي الشهر برسالة إلى المقاتلين في مختلف الجبهات وما سماها «حدود الجنوب»، عبّر فيها عن اعتزازه بالمقاتلين وربطهم بـ«الجبهة الشعبية والسياسية»، في إشارة إلى توسيع المعركة في خطاب المجلس من بعدها العسكري إلى أبعاد سياسية وشعبية.
«تحوّل في الخطاب لا في شروط المشاركة»
وبقراءة متسلسلة لمواقف المجلس خلال سبتمبر، يمكن ملاحظة تحول واضح في درجة الانخراط السياسي والإعلامي في دعم الجبهات؛ فمن رفض «الزج بالقوات الجنوبية» في الحرب يوم 9 سبتمبر، إلى دعم جبهات الصبيحة وكهبوب، ثم الإشادة بالمقاتلين، فالدعوة إلى «التعبئة العامة»، وصولاً إلى إدخال الجبهات ضمن اجتماعات وتخطيط مؤسسات المجلس في نهاية الشهر.
وعليه، فإن التحول الذي شهده سبتمبر يبدو، وفق مضمون البيانات الرسمية، أقرب إلى انتقال من التحفظ على الانخراط في الحرب اليمنية إلى تبنّي المواجهة مع الحوثيين .
وفي المقابل، تستمر مؤسسات الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي في تقديم العمليات العسكرية والتعبئة الشعبية باعتبارها جزءا من معركة القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية اليمنية ضد الحوثيين على امتداد الجبهات، وهو ما يجعل الخلاف بين الطرفين لا يدور فقط حول أين يجب أن تدور المعركة، وإنما أيضاً حول هوية القوات ومرجعيتها السياسية والعسكرية والغاية النهائية من القتال.

