تقرير || في ذكراها الـ18.. سيول أكتوبر 2008 تعيد إلى ذاكرة حضرموت واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية.

حضرموت اليوم | خاص

ثمانية عشر عام مضت على السيول المدمرة التي اجتاحت حضرموت في 23 و24 أكتوبر 2008، مخلفة خسائر بشرية ومادية جسيمة، بعدما تحولت الأودية إلى مجار مائية جارفة اجتاحت المنازل والمزارع والطرق، خصوصاً في مناطق وادي حضرموت، وفي مقدمتها مديريتا ساه وتريم.


تحلّ اليوم السبت الذكرى الثامنة عشرة لكارثة سيول أكتوبر 2008م، التي لا تزال محفورة في ذاكرة أبناء محافظة حضرموت، باعتبارها واحدة من أشد الكوارث الطبيعية التي شهدتها المحافظة خلال العقود الأخيرة، بعدما تسببت الأمطار الغزيرة والسيول الجارفة في سقوط ضحايا، وتدمير منازل ومزارع وبنى تحتية، وتشريد أسر فقدت مساكنها وممتلكاتها خلال ساعات.

وبدأت الكارثة مع تأثر المحافظات الشرقية بمنخفض مداري عميق في بحر العرب، جلب أمطاراً استثنائية إلى أجزاء واسعة من المهرة وحضرموت، قبل أن تتدفق السيول عبر الأودية والشعاب، متجاوزة قدرة المجاري الطبيعية والمنشآت الواقعة في مساراتها على استيعاب كميات المياه المتدفقة.

وشهدت مناطق وادي حضرموت أضرار واسعة، لا سيما في مديريتي ساه وتريم، حيث اجتاحت السيول تجمعات سكانية وأراضي زراعية، وألحقت أضرار جسيمة بالمساكن الطينية التي تشكل جزءً أصيلاً من الطابع المعماري التاريخي للمنطقة.

"ساعات عصيبة في ذاكرة السكان"

لم تكن سيول أكتوبر مجرد موجة أمطار غزيرة، بل تحولت إلى كارثة إنسانية عاش خلالها آلاف السكان لحظات قاسية، مع ارتفاع منسوب المياه وتدفق السيول عبر الأودية والمناطق المأهولة، وانقطاع طرق الاتصال والتنقل بين عدد من القرى والتجمعات السكانية.

وفي المناطق الأكثر تضرر، فقدت أسر منازلها ومصادر رزقها، فيما جرفت المياه مساحات زراعية وألحقت أضرار بشبكات الطرق والخدمات الأساسية، لتترك وراءها مشاهد دمار ظلت حاضرة في الذاكرة المحلية لسنوات طويلة.

وامتدت آثار الكارثة إلى ما بعد انحسار المياه، إذ واجه المتضررون تحديات إعادة بناء المساكن واستصلاح الأراضي الزراعية واستعادة الأنشطة الاقتصادية، في مجتمع يعتمد قطاع واسع من سكانه على الزراعة والتجارة والأعمال المحلية.

"ساه وتريم.. في قلب الكارثة"

كانت مديرية ساه من أكثر المناطق تضرر، حيث جرفت السيول منازل ومزارع وأعداداً كبيرة من أشجار النخيل، فيما تعرضت قرى ومناطق شرقي تريم لدمار واسع، من بينها القوز ومشطة ومناطق أخرى.

وبحسب إحصائية غرفة العمليات المشتركة بوادي حضرموت والصحراء الصادرة في 27 أكتوبر 2008، ارتفعت الحصيلة الأولية إلى 36 وفاة و21 مفقود، بينهم 33 متوفى و20 مفقود في مديرية ساه وحدها، فيما بلغ عدد المنازل المتهدمة كلياً وجزئياً في عدد من مديريات الوادي 1,892 منزلًا، وتجاوز عدد الأسر المشردة ثلاثة آلاف أسرة.

"خسائر بشرية واقتصادية واسعة"

وكشف تقييم مشترك للحكومة اليمنية والبنك الدولي وشركاء دوليين أن العاصفة المدارية التي ضربت البلاد في 24 أكتوبر 2008 تسببت بأمطار غزيرة وفيضانات استمرت نحو 30 ساعة.

ووفقاً للتقييم، بلغت الحصيلة المسجلة حتى 31 أكتوبر 73 وفاة و17 مفقودًا في المحافظتين المتضررتين، فيما دُمر 2,826 منزلًا وكوخاً بالكامل، وتضرر 3,679 منزلًا بصورة جزئية، واضطر نحو 25 ألف شخص إلى النزوح من مساكنهم. وتختلف هذه الأرقام عن بعض التقديرات الأولية التي صدرت أثناء عمليات الإنقاذ.

ولم تقتصر الخسائر على المباني، بل طالت القطاع الزراعي الذي يمثل مصدر دخل رئيسياً لآلاف الأسر في وادي حضرموت، بعد أن جرفت السيول أشجار النخيل والمحاصيل والتربة الزراعية، وألحقت أضرارًا بشبكات الري والآبار والطرق.

"إعادة الإعمار.. ملف امتد لسنوات"

دفعت الكارثة السلطات اليمنية آنذاك إلى إعلان المناطق المتضررة مناطق منكوبة، وحشد جهود الإغاثة المحلية والدولية، قبل إنشاء صندوق إعادة إعمار محافظتي حضرموت والمهرة بموجب القرار الجمهوري رقم 293 الصادر في ديسمبر 2008.

وتولى الصندوق مهام إعادة بناء المساكن المتضررة وتعويض المتضررين والمساهمة في إصلاح المنشآت والبنية التحتية، غير أن ملف الإعمار ظل حاضرًا في التغطيات الصحفية خلال السنوات التالية، مع تقارير تحدثت عن تأخر استكمال بعض المشاريع والتعويضات.

"بعد 18 عاماً.. هل استوعبت حضرموت دروس الكارثة؟"

تعيد الذكرى الثامنة عشرة لسيول أكتوبر طرح تساؤلات بشأن مدى استعداد حضرموت لمواجهة الكوارث المناخية، خصوصاً في ظل اتساع التجمعات السكانية بالقرب من مجاري الأودية، واستمرار تعرض المناطق الشرقية لمنخفضات مدارية وأمطار غزيرة.

وتبرز كارثة 2008 أهمية تحديث خرائط مخاطر السيول، وحماية مجاري الأودية من البناء العشوائي، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير خطط الإخلاء والاستجابة، إلى جانب مراعاة طبيعة العمارة الطينية التاريخية في المناطق المعرضة للفيضانات.

كما تؤكد التجربة أن مواجهة الكوارث لا تقتصر على عمليات الإنقاذ والإغاثة بعد وقوعها، بل تبدأ من التخطيط العمراني وإدارة الموارد المائية ورفع جاهزية المؤسسات المحلية والمجتمعات السكانية.

ثمانية عشر عاماً مضت، لكن سيول أكتوبر 2008 لا تزال أكثر من مجرد ذكرى مؤلمة في تاريخ حضرموت؛ إنها محطة إنسانية تستحضر أرواح الضحايا ومعاناة المتضررين، وتذكّر بأهمية تحويل دروس الماضي إلى إجراءات وقائية تحمي الأرواح والممتلكات من تكرار المأساة.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص