خطر إدعاء إمتلاك الحقيقة في العمل السياسي


من أخطر الأزمات التي تواجه المجتمعات في المراحل السياسية المضطربة أن يتحول الخلاف في الرأي إلى احتكار للحقيقة، وأن يصبح الاختلاف مع مشروع سياسي معين دليلاً على ضعف الانتماء أو نقص الوطنية.
فالوطن ليس ملكاً لحزب او مكون بعينه ، ولا قضية شعب حكراً على فئة، ولا التاريخ وقفاً على جماعة تدّعي أنها وحدها الناطقة باسم الأرض والناس. وحين يصل الخطاب السياسي إلى مرحلة تقسيم المجتمع بين "وطنيين" و"متنكرين"، وبين "أصحاب القضية" و"أعدائها"، فإننا نكون أمام أزمة في فهم السياسة قبل أن نكون أمام خلاف في المواقف.
إن الوطنية ليست موقفاً حزبياً، ولا بطاقة عضوية في تنظيم سياسي، ولا تأييداً لمشروع دون غيره. الوطنية هي الحرص على مصالح الناس، والدفاع عن حقوقهم، والعمل من أجل مستقبل أفضل لوطنهم، مهما اختلفت الوسائل والاجتهادات.
وليس من العدل أن يُصوَّر كل من خالف رؤية معينة على أنه عدو لقضيته أو متآمر على شعبه. فالتاريخ الإنساني كله قائم على تعدد الرؤى والاجتهادات، ولم تتقدم الأمم لأن فريقاً واحداً امتلك الحقيقة المطلقة، بل لأنها أتاحت المجال للنقاش والحوار والتنافس السلمي بين الأفكار.
إن حضرموت والجنوب، كما اليمن كله، يضمان أطيافاً سياسية واجتماعية متعددة، ولكل طرف قراءته للأحداث ورؤيته للمستقبل. وقد يكون أحدهم مصيباً أو مخطئاً، لكن الخطأ الحقيقي يبدأ عندما يتحول الخلاف السياسي إلى تخوين، والاجتهاد إلى اتهام في الانتماء.
ومن الحكمة أن ندرك أن حب الأوطان لا يُقاس بالشعارات المرتفعة، ولا بحجم الخصومة مع الآخرين، بل بالقدرة على قبول التنوع واحترام حق الناس في أن يفكروا بطريقة مختلفة.
فمن حق أي مواطن أن يدافع عن مشروعه السياسي، ومن حق غيره أن يعارضه، لكن ليس من حق أحد أن ينصب نفسه وصياً على الوطنية أو قاضياً على ضمائر الناس. فالأوطان تتسع للجميع، والقضايا العادلة لا تخشى الحوار، والحقيقة لا تحتاج إلى إقصاء المخالفين كي تثبت نفسها.
إن أخطر أشكال التعصب السياسي ليس أن يقتنع الإنسان برأيه، بل أن يعتقد أن كل من خالفه قد خان وطنه أو تنكر لقضيته. فهنا يتحول النقاش من البحث عن الحقيقة إلى ادعاء امتلاكها، ومن خدمة القضية إلى احتكار الحديث باسمها.
ولعل ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم ليس مزيداً من التصنيف والتخندق، بل مزيداً من الحكمة والاعتراف بأن حب الوطن يتسع لاجتهادات متعددة، وأن الاختلاف في الرأي لا يلغي صدق الانتماء.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص