من التوقيع على الميثاق الوطني الجنوبي إلى المواجهة العلنية مع الانتقالي !

حضرموت اليوم | تقرير سياسي

من موقع الشريك في صياغة الميثاق الوطني الجنوبي إلى موقع المعارض العلني لسياسات المجلس الانتقالي الجنوبي، تبرز مواقف القيادي في الحراك الجنوبي فادي حسن باعوم بوصفها مؤشراً على اتساع الخلافات داخل المعسكر السياسي الذي رفع شعار استعادة الدولة الجنوبية، وسط تصاعد التوترات السياسية والأمنية في ساحل حضرموت، وتجدد الجدل بشأن مستقبل المحافظة وحق أبنائها في تقرير خياراتهم السياسية بعيداً عن الإقصاء وفرض الأمر الواقع.

ولم يعد الخلاف مقتصراً على تباين الرؤى بشأن شكل الدولة الجنوبية أو توزيع السلطة والنفوذ، بل انتقل إلى مواجهة سياسية علنية، على خلفية ما يقول باعوم وأنصاره إنها محاولات لمنع أنشطتهم والتضييق على حضورهم السياسي في مدينة المكلا، في تطور يعيد طرح تساؤلات جوهرية بشأن مدى التزام المجلس الانتقالي بمبادئ الشراكة والتعددية التي تبناها في خطابه السياسي.


من الشراكة إلى الانقسام:

تعود جذور العلاقة السياسية بين فادي باعوم والمجلس الانتقالي إلى مرحلة الحوار الجنوبي التي سبقت توقيع الميثاق الوطني الجنوبي في عدن، في مايو 2023، عندما شارك باعوم، بصفته رئيساً للمجلس السياسي لمجلس الحراك الثوري، في المشاورات التي قادها الانتقالي لتوحيد المكونات الجنوبية حول وثيقة سياسية مشتركة.

وفي سبتمبر من العام نفسه، أعلن باعوم تمسكه بالميثاق، مؤكداً عدم التراجع عنه، ومعلناً قبوله بقيادة عيدروس الزبيدي للمشروع السياسي الجنوبي، في موقف عكس آنذاك مستوى التقارب بين الطرفين.

غير أن مسار الشراكة لم يستمر دون خلافات؛ إذ برزت انقسامات داخل الحراك الثوري بشأن العلاقة مع الانتقالي، وصولاً إلى أبريل 2026، عندما أعلنت قيادة في الحراك الثوري موالية للانتقالي فصل باعوم من موقعه التنظيمي، في قرار كشف عمق الانقسام بشأن التمثيل السياسي والقيادة.

وبدا أن الخلاف تجاوز الإطار التنظيمي إلى صراع حول طبيعة المشروع الجنوبي نفسه، وحدود الشراكة التي يتيحها الانتقالي للمكونات الأخرى، ومدى استقلالية تلك المكونات في اتخاذ قراراتها السياسية.

أحداث المكلا.. المواجهة تنتقل إلى الشارع.

بلغ التوتر ذروته، اليوم السبت 31 أكتوبر 2026، عندما شهدت مدينة المكلا تحركات لمجموعات مؤيدة للمجلس الانتقالي باتجاه قاعة الأندلس، التي احتضنت فعالية سياسية لمكون «المستقبل الجنوبي» المرتبط بفادي باعوم.

وأفادت اخبار محلية بأن المحتجين رددوا هتافات مؤيدة لعيدروس الزبيدي، وحاولوا اقتحام القاعة وتعطيل الفعالية، فيما تحدثت مصادر أخرى عن تدخل قوات أمنية وعسكرية لتأمين المكان والسماح باستكمال اللقاء.

وفي المقابل، قدمت وسائل إعلام مؤيدة للانتقالي رواية مختلفة، وصفت فيها التحركات بأنها احتجاج شعبي على مكون سياسي جديد، واعتبرت دخول القاعة تعبيراً عن رفض المشاركين للفعالية.

ورد باعوم بلهجة حادة، قائلاً في منشور نُقل عن حسابه على فيسبوك:
«تحطمت بلطجتكم على أبواب قاعتنا في المكلا؛ توهمتم تعطيل الفعالية، فكان رجالنا لكم بالمرصاد ومضت رغماً عنكم»، واعتبر باعوم أن اللجوء إلى الفوضى يعكس عجزاً عن مواجهة الخصوم بالحجة السياسية، مؤكداً أن أنشطة مكونه ستستمر رغم محاولات تعطيلها.

حضرموت واختبار شعارات الشراكة

تحمل أحداث المكلا دلالات تتجاوز الخلاف بين باعوم وأنصار الانتقالي؛ فهي تضع شعارات الشراكة والتعددية السياسية أمام اختبار عملي في محافظة تمثل إحدى أهم ساحات التنافس على النفوذ في جنوب اليمن.

فالمجلس الانتقالي الذي قاد حواراً مع المكونات الجنوبية لتوقيع الميثاق الوطني، يجد نفسه اليوم في مواجهة انتقادات من شخصيات شاركت في ذلك المسار، وأصبحت تتبنى مواقف معارضة لسياساته.
ويبرز هنا تناقض سياسي يستحق التوقف عنده: فإذا كانت الشراكة الوطنية تعني الاعتراف بحق المكونات المختلفة في العمل والتنظيم والتعبير، فإن محاولة منع فعالية سياسية سلمية بسبب اختلاف منظميها مع الانتقالي، تمثل ممارسة تتعارض مع تلك المبادئ.

كما أن انتقال التنافس إلى قاعات الاجتماعات والشارع يثير مخاوف من اتساع دائرة الاحتقان، خصوصاً في ظل حساسية المشهد الحضرمي وتعدد القوى المحلية والإقليمية المؤثرة فيه.

من التمدد العسكري إلى الصراع على التمثيل.

لا يمكن فصل المواجهة السياسية الأخيرة عن السياق الأوسع للتنافس على حضرموت، وما شهدته المحافظة من تحركات عسكرية وصراعات على النفوذ والسيطرة خلال الفترة الماضية.

فقد أعادت محاولات توسيع النفوذ العسكري والسياسي في حضرموت طرح مسألة العلاقة بين القوة المسلحة والشرعية الشعبية، وحدود حق أي مكون في فرض رؤيته على محافظة تتعدد فيها القوى السياسية والاجتماعية والقبلية.

وتكشف هذه التطورات عن إشكالية أعمق تتعلق بمستقبل المشروع السياسي الجنوبي: هل يقوم على التوافق بين المكونات واحترام خصوصيات المحافظات، أم على احتكار التمثيل السياسي وإخضاع المختلفين؟

وبالنسبة إلى حضرموت، فإن خصوصيتها الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية تجعل من الصعب اختزال خيارات أبنائها في موقف سياسي واحد، أو افتراض امتلاك أي طرف تفويض حصري للتحدث باسمهم.

باعوم.. تحول في الموقف أم انكشاف لأزمة المشروع؟

يمثل انتقال فادي باعوم من تأييد الميثاق الوطني الجنوبي والقبول بقيادة الزبيدي إلى المواجهة العلنية مع أنصار الانتقالي تحولاً سياسياً لافتاً.

لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة تخليه عن القضية الجنوبية؛ إذ تشير مواقفه المعلنة إلى استمرار تبنيه مشروعاً سياسياً جنوبياً، مع اختلافه بشأن القيادة وآليات العمل ومفهوم الشراكة.

وهنا تكمن أهمية موقفه؛ فالانتقادات لم تعد تأتي من خصوم تقليديين للمجلس الانتقالي فحسب، بل من شخصيات سبق أن شاركت في ترتيباته السياسية وأيدت وثائقه.

ومع ذلك، فإن الخلاف بين باعوم والانتقالي لا يمكن اختزاله في صراع بين الديمقراطية والإقصاء وحدهما، إذ تتداخل معه حسابات القيادة والتمثيل والنفوذ والعلاقات الإقليمية، وهي عوامل تزيد تعقيد المشهد السياسي في حضرموت.

مستقبل حضرموت.. الشراكة أم فرض الأمر الواقع؟

تضع أحداث المكلا القوى السياسية الجنوبية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على إدارة الخلاف دون اللجوء إلى العنف أو تعطيل الأنشطة السلمية.

كما تطرح تساؤلات بشأن قدرة المجلس الانتقالي على استيعاب التعدد السياسي، خصوصاً عندما يتحول شركاء الأمس إلى منافسين ينتقدون سياساته ويطرحون مشاريع مختلفة.

ويمكن القول أن المسافة التي قطعها فادي باعوم من توقيع الميثاق الوطني الجنوبي إلى المواجهة العلنية مع أنصار الانتقالي تكشف حجم التحولات والانقسامات داخل المشهد السياسي الجنوبي.

أما الرسالة الأبرز من أحداث المكلا، فهي أن مشروعية أي مشروع سياسي لا تُقاس بحجم القوة التي يمتلكها أو بقدرته على السيطرة على الأرض وحدها، وإنما أيضاً بمدى احترامه حق الآخرين في الاختلاف والمشاركة والتنظيم السلمي.

فحضرموت، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي واجتماعي، لا يمكن أن تكون ساحة لفرض مشروع أحادي بقوة السلاح، كما أن بناء دولة تتبنى الحرية والتعددية والشراكة لا يستقيم مع ممارسات التضييق على المنافسين السياسيين.

ويبقى السؤال الذي تفرضه هذه التطورات اليوم كيف يمكن لمشروع سياسي أن يقنع الحضارم بأنه يحمل مستقبلاً قائماً على الحرية والشراكة، إذا عجز أنصاره عن تقبّل فعالية سلمية ينظمها أحد شركائه السابقين؟

 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص