تحلّ الذكرى الـ58ـثامنة والخمسون لعيد الجلاء، يوم خرج آخر جندي بريطاني من جنوب اليمن في 30 نوفمبر، واليمن اليوم يعيش واحد من أكثر مراحله تعقيد وانقسام، شمالاً وجنوباً، في مشهد يعيد إلى الواجهة صور مستنسخة من زمن الاستعمار ولكن بأدوات محلية هذه المرة.
فقد عادت عبر بوابة "عملاء الداخل" مظاهر التبعية وشراء الولاءات، وصارت المليشيات المصطنعة أداة لإعادة إنتاج الهيمنة بطرق أكثر فوضوية وأشدّ أثر.
وفي مفارقة قاسية، تحول الوطني المتمسك بمبدأ الدولة إلى "خائن"، بينما صارت العمالة تقدم بلبوس الوطنية وتسوّق باعتبارها طريقاً لمصلحة البلد، فيما الحقيقة أنها طريق لإرضاء الداعم الخارجي لا أكثر.
تأتي الذكرى هذا العام واليمنيون متحفزون داخل متاريس نفسية وميدانية، كل واضع إصبعه على الزناد في مواجهة أخيه، والدم دم واحد، والمجتمع واحد، لكن الاستقطاب شقّ ما كان متيناً.
أما العقول المفكرة والنخب القادرة على صناعة حلول، فقد دفعتها الأزمات إلى الهجرة، تاركة الساحة لساسة يتاجرون بالوطن في بازار مفتوح لا تعرف له حد، وفي المقابل، يتلاشى بريق الأمل في عيون المواطن عاماً بعد آخر، تستغل حاجته ويستنزف صبره مقابل فتات لا يسمن ولا يغني، بينما يدفع وحده ثمن كل صراع.
ورغم كل ذلك، يبقى 30 نوفمبر محطة لاستدعاء المعنى الحقيقي للحرية، والوقوف أمام سؤال كبير (كيف تحول يوم "جلاء الاستعمار" إلى واقع يبدو وكأنه "استلام وتسليم" لخراب جديد؟)
المجد للشهداء... ونوفمبر مجيد ..ومهما اشتدت العتمة.. فلابد ان تزيل..

